شــــقــــوق
كتبهاد. عبدالله الطيب ، في 25 مايو 2007 الساعة: 12:56 م
شقــــــوق
في تلك الليلة.. الثالثة صباحاً.. مع ترنُّحات المتخمين.. ضحكات المدخنين.. زغاريد المهنئين وتهدهد المحرومين..
كانت تمشي بهدوء وسكينة.. ولامبالاة بالصخبِ والسطوع.. كيس بلاستيك كبير بيد.. ورجاءٌ باليد الأخرى.. جوع القطط والسنين البائدة يرتسم بالعينينِ المحدقتينِ بشرِّ العالم.. وسخريته..
تلتمع الشقوق في القدمين.. وهما تجلدان الأسفلت المشبع بالرطوبة.. ومصائر الناس .. كهوف وشقوق تضيئها مصابيح الفندق.. أقرأ فيها لغة غريبة وبدائية.. أرى فيها النسيان.. و الكبرياء.. والفقر..
كنت أراقب المشهد المثير خارج الفندق.. حيث تلفني سحائب الدخان المنبثق من سيجارتي.. تعبت من زيف الكلام.. واتساع الشفاه.. والإنتشاء بغير مافعل.. تركت ذلك.. وخرجت بحثاً عن الهدوء.. واللقطات الغافلة.. رأيت جزءاً من تفكيري وخيالاتي وعشقي فيها.. غريب.. كيف يعشق الإنسان الهزيمة والإنكسار بكبرياء!
أيهذا الليل.. المختلط بالمعجزات.. والموبقات.. أين السعادة.. ورفيق السعادة.. وأين الدروب العابثة بالإنتظار.. وأين الرياح التي تفلح الأرض.. عشقا وصبراً.. لصوت الأمطار..
تبعتها.. عيناي مقفلتان على الكيس الكبير.. يداي مطويتان.. تركت مسافة.. كي لا أفسد براءة المشهد.. وطهر الشفافية.. العباءة القصيرة الخضراء.. والأقدام الحافية ذات الشقوق الملتمعة.. والمنديل البنِّي الكبير المكوم فوق الرأس بلا عناية.. البشرة السمراء العتيقة.. من مكاني رأيت خيالها.. وقفَت بجوار البرميل بدون تردد.. كمن يعرف بغيته.. فتَحت الكيس.. وبدَأت الاختيار.. بعناية!.. اقتربْت قليلاً.. فقد اشتقت لماء عيني.. و غرائزي المنسية.. وأحاسيسي المندثرة.. أو المتدثرة..
أيهذا الليل.. ماالذي يختبئ في جوفك.. هل أخفت المعجزات بجوفك حقاً لكل البشر.. دعني فألتحم بك.. أودع فيك تقرحاتي.. وألتقي بنفسي وغيري.. لعلي أفيق.. سرقتني الأضواء والثياب الجديدة.. أدمت أنفي العطور الثمينة.. فلا أنفه.. تلك الوجوه الصاخبة في الفندق.. فقط الليل.. يعيدني إلى الحارة.. والأكواخ الخشبية.. والوجوه المغضنة البسيطة.. والسراج المتعب..
لازالت عيناي مقفلتان على الكيس.. أتابع عناية الإختيار.. فردة حذاء صغيرة حمراء.. طبق صيني مكسور الحواف.. وسقطت دمعة ولم أدرِ أكانت مني.. أم على الطبق! الرؤية غائمة.. إنحنت على الفضلات المجاورة للبرميل.. إلتقطت زوجان من الجوارب الكبيرة السوداء.. و لمحت ابتسامة دقيقة.. وداخلني الشك من مصدرها..
أحبك.. أحبك.. أيتها الروح الجليلة.. رأيتني هناك بكل ماأوتيت من شعور.. إنه الليل.. يصقل النفوس.. ويدمي الجراح.. فتنزف وتستنجد الكرامة.. ولامغيث سوى الليل..
إمتلأ الكيس.. جمعت الفضلات المجاورة بهدوء وأودعتها البرميل.. وخلْت أنني سمعتها تشكره.. وتساءلت.. أشكرت البرميل.. أم الليل؟!
إقتربت المسافة.. أراها بوضوح.. ألقيت عليها التحية.. وعجبت من بياض الأسنان.. كأنه انعكسات داخلية.. ولعنت معجون الأسنان الذي أستعمله دون جدوى بعد أن عرفت السبب..
أيها الليل.. ألا تفصح عن بغيتك.. إنها خيالاتي.. وأبي و أمي.. ماهكذا أيها الليل.. كنت أترقبك و أنتظر.. لكن ليس بهذه القسوة و المباشرة..
أحبك أيها الليل.. الكيس.. والأرواح العتيقة.. الوجوه المتربة بالتعب.. والمتخمة بالأنفة المسروقة من الفنادق.. وأضواء المتاجر.. وأشباه الرماد..
عرضتُ عليها المساعدة.. وحملتُ الكيس كإبني.. وأقفلتُ عيني.. و فتحتُ قلبي.. ودفعتْ يدي بشئ داخل الكيس.. لم تقل شيئا.. فقط منحتني طمأنينة..
ومشينا.. ولم أعد أرى الشقوق الملتمعة..
وتحدثنا.. ولم أعد أرى العباءة القصيرة.. ولا المنديل المكوم..
أغلقتُ عيني.. وفتحتُهما..
لازال الكيس بيدي.. والبياض بجوفي.. ولكنِّي لم أعد أراها!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:قصص قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 7th, 2007 at 7 أغسطس 2007 5:34 م
السلام عليكم
مساء الحب والصفاء والود والنقاء
تعليقك العطر على قصتي المتواضعة بمنتدى أزاهير أسعدني وأرغدني
ثم ما لبثت أن اطلعت على سيرتك الذاتية التي ترفع الرأس(ماشاء الله)زادك الله من فضله
ثم ها أنا الآن أسطر هذه الرسالة إليك عرفانا ،وإعجابا ،وعربون صداقة
كلل الله حياتك بالتوفيق
محبك