خفافيش
كتبهاد. عبدالله الطيب ، في 25 مايو 2007 الساعة: 13:47 م
خفافيـــــــش
نتسلق الخوف .. ونبلغ القمة .. ومع ذلك نعيش برفاهية !!
………………………………………………….
مجدةٌ هي الشمس .. لا تزال تكافح بقوة واهنة وهي تمد خيوطهـا العنكبوتيـة لتعلن انتصـارها المتكرر.. والخفافيش لم تزل تلعن الشمس.. إنها الطاغوت الأكبر.. فهي تسلبهم حقهم في الحياة كل يوم دون ملل.. تضئ أنفسهم لأنفسهم فقط ليزدادوا إظلاما..
كنا أربعة من هؤلاء الخفافيش.. يقتلنا خوفنا كل صباح ونجرعه بفرح عند المساء.. تفر منا طمأنينة الفجر الرمادية لنـأسرها قرب منتصف الليل.. أكان ذلك جميلا ؟ ..كنت أعتقد ذلك.. أنا (دريد).. وهم (عمرو) و(وابل) و(قيس)..
هم أعز اصدقائي.. وأنا لهم أكثر من مسلي !!
كانت ليلة مشحونة بالظلام والعرق.. جمعنا بيت غير سيئ السمعة.. تنازعنا فيه أوراق اللعب وقتلنا عروقنا بالماء المصبوغ.. أنجزتْ ساعات الليل عملها بأسطورية.. وألفينا أنفسنا على أبواب الفجر.. تلكَّأ "وابل" قليلا ثم تفصد مكراً..
ــ املأ رئتيك جيداً قبل الأذان.. فهذه فرصتك!!
نظرت إليه فوجدت عيناه احمرتا بالإمتلاء من النفس.. ضحكت من ملاحظته الذكية وامتلأتُ هواء..
تسلق الأذان أسماعنا.. فحرقت جوفي بالأستمتاع حتى انتهى ممتنعاً عن حتى مجرد التفكير في ذلك.. نهضنا ومارسنا حياة سعيدة.. ثم تجولنا بعربتي الفاخرة القذرة.
ويشيخ حجم التصحر في داخلي ويهرم.. ولا يموت.. في ذلك اليوم أحسست ببلوغه عامه المائه بعد الألف.. فأينع حصاده على مساحات وجهي ضحكاً وانتشاءاً..
تململت الشمس.. كأني فرحت لذلك.. وكم أحسست بغربتها عن الكائنات أمثالي.. تقافزتْ من فمي نكتة سخيفه.. وكان صداها ضحكات واختناقات إضطرتني إلى الضحك.. أحسست بسماكة الصمت وكم هو صعب قطعه.. ولكن كنت أعي جو الإنتشاء السائد فوق الصمت.. فزدت الصمت صمتا..
"عمرو".. عبقري الدراسة فينا.. يستحي لماماً وأحبه كثيرا.. أول صديق يهدي إلي حنجرته عبر أسلاك هاتفي المفعمة بالثلج.. ألا يكفي ذلك؟.. تنشقت أسعد ماعرفت من ثوان معه.. أترك أمي تبتلع حزنها ورغبتها الثائرة في الخروج معي لأسمع نكاته الباردة علي.. أقبع توسلات الدموع في عين أختي الوحيدة في البقاء معها ولو يوماً واحداً بعيداً عن رقابة أبي ليحمر وجهي خجلاً وحقداً على ابتكارات الإستهزاء المسترسلة من فمه.. ولم لا أحبه؟ تكويني يملي علي حب أي شخص يبتدرني ولو بلمسة حنان واحدة.. أكثر ما شدني فيه دفاعه الحار حين أتعرض لأي نوع من الإستهزاء من قبل الآخرين.. ولكنه لا يتورع عن صفعي بها حين يحلو له.. ربما هونوع من النرجسية النادرة!!
"وابل".. مشاكس عنيد.. ولد قائداً للرجال.. وليتني أعرف أين هم عدانا وبرضانا تجنبا للمشاكل! أحب فيه روح الشجار وإثارة القلاقل والفتن بيننا.. هو أكبر الجميع.. تجدني أقدم له التهاني وفروض الولاء في المناسبات الإجتماعية قبل أبي وأمي وأي مخلوق أرضي.. وأحبه.. وكيف لا؟
تكويني يفرض علي حب كل من يحترم حريتي في إبداء رأيي.. أحب روحه المضطجعة على بلاط الأحلام العريضة الإستطالة.. واعتلائه فوق هام الطموح العالق بأهدابه..
"قيس".. لطيف أنت يا قيس.. تمنحنا الصمت متى احتجناه.. تملأنا سذاجة وسطحية كلما انتابتنا دوامة من النقاش البارد.. أحب الموافقة فيك.. تمنيت لو تسكب لي من وداعة عينيك فأروي صحرائي.. أحبك ولا ألام.. تكويني أشار علي بحب كل من يقول أن الشمس لا تحرق اذا استطعنا القبض عليها!!
اختنقت العربة بنا.. اقترحتُ فتح النوافذ..
يمتلئ رأسي بالأفكار.. أتصبب عرقا.. أجدني أنبش أظافري في المدن البعيدة..
وابل: ماذا حل بك.. هل حشوت أذنيك تجاهلاً أم لم ترجعْ من هناك؟
أنا: أسمعكم جيدا (أكذب)
أحس بالحر.. وبقعة في جوفي تحتضر..
عمرو: أراني مترددا.. لو امتشقنا الدرب إلى الساحل نستطيع أن ننعم بالهدوء.. وليس ثمة تأنيب ضمير.. لا أراني مخطئا!
قيس: أوافق.. ولكن لكم دينكم ولي دين!
أنا: ماذا تعني؟ حسناً.. أنا أوافق بشدة.. على كل حال لن يدركنا القمر ونحن في الخارج..
وابل: أوافق بعنف..
قالها و هويضحك من ذكائنا في التسول لحاجاتنا
لا أدري لم باركت هذه الخطوة.. مضت سيارتي بهدوء لم يؤثر فيه صخبنا..
أنا: قيس.. أنت لم تقدم شيئا لذلك املأ الخزان وجوفنا مع الرئتين.. أتسمع؟
ازدرد الملح في حلقي بصعوبة مع أول قطرات السائل.. أرى نفسي أكثر شفافية من نظرة طفل.. تزداد صحرائي اتساعا.. أرجُمُهم بنظراتي وكلي اعتلاء.. أسافرُ عبر الزمن.. أنقب في التاريخ والكتب والذاكرة العتيقة.. أما كنت قيصراً من قبل؟ أما كنت أحد أتباعي وقتئذٍ؟ أما كانوا هم صفاتي الخفية؟
غادرت مدينتي في الصباح التالي.. مارست خفاشيتي بكل تضاريسها.. وعدت أحمل الشوق في حقائبي إلى السهر والعرق مع أصدقائي..
تداعت أختي فرحاً لرؤيتي.. رأيت رعب التاريخ بعينيها.. قالت إن رأسي ينبضُ من جانبيه.. لم أكترث لها.. ركضت إلى الهاتف..
ــ آلو
ــ ماذا تريد؟
ــ أريد عمرو..
ــ عمرو يفلح الأرض.. حمدا لله على سلامتي حتى اللحظة..
تباطأت مفكرا.. أحس بركام الثلج يدمي صحرائي.. ولا يخفف عنها.. أعبرُ الأفق.. أقطعُ الطرقات أسألُ الماضي.. أما من أحدٍ يتعرف علي.. أما كنتُ قيصراً من قبل؟
أحاسيسي عتيقة.. وقلبي قلب عملاق..
أصطدم برعب أختي اللا متناهي.. هرعت إلى الحمام..
تحسست النتوءان البارزان من رأسي بدهشة.. وبقدر ما ملأ جوف التاريخ من حزن!
د. عبدالله الطيب
المدينة المنورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:قصص قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 17th, 2009 at 17 أبريل 2009 9:41 م
هذه قصة أم قصيدة
أستمتعت جداً بقراءتها