ادبيات د. عبدالله الطيب

السبت,آب 18, 2007


 
 المثنى.. ومأذون العصافير

بدأ الأمر كمزحة
ــ آه يا أبي .. إن الزواج شئ عظيم.. ليته يتكرر كل يوم.. كم هوسمح ديننا.. رباع يا أبي.. رباع.. ثلاث ورباع
ــ كأنك ترغب في المثنى
ــ حلم صعب المنال.. دونه سطوة أم العيال وتعويذاتها الفرعونية
ــ لا عليك.. اكتب لي توكيلاً وسترى
وكتبت.. وتوكلت.. وتداعت الأوقات من حولي ونسيت

ــ الو
ــ أنا أحمد.. غداً مساءاً نكون عندكم.. قا دمون على طائرة السابعة
ــ بانتظارك.. يا عريس.. أقصد يا أخي
عريس!.. طفلان وزوجة سمينة حبلى وتقول عريس.. يبدو أنها تمزح.. وابتسم شاربي للفكرة
حملتنا الطائرة بمتاعنا وهمومنا .. صندوق عجيب.. الرحلة فيه كفاصل من الإعلانات التجارية أناسه وسيمو الشكل صادقو المظهر.. أحيانا وبسذاجة أتمنى أن يتقلص العالم والدنيا والحياة ليكونوا كرحلة قصيرة بالطائرة.. لا هموم ولا ضغائن..
الله.. ما أروع هذا الإستقبال.. عقود الأنوار تتدلى متلألئة.. كأنها الوشم على صدر غجرية.. وبيتنا استحال أكثر من غجرية.. وأخذت أقلب الأوراق في عقلي.. ما المناسبة.. عيد ميلاد.. نجاح.. ما القضية.. ورأيت صفين متجاورين من الكراسي عند المدخل.. وأبي يتصدر أحدها مع وجهاء العائلة.. وتساقطت بقعة في جوفي.. وتهدل كتفاي تحت ثقل الشنطة والفكرة.. واختنقت عيناي بطوفان التساؤلات.. هل مات أحد.. ونظرت إلى زوجتي وطفلاي.. غير أني ما لبثت أن التفت إلى أبي فوجدته باسما.. وشعرت بالطمأنينة تملأ أوردتي ولساني بالشكر والأدعية..
ــ أهلا بالعريس
قالها أبي.. وبدأت الخيوط تتشكل.. هيكل غامض من الفرح.. والرفض.. مددت يدي إلى زوجتي أساندها.. وانكمش جسدي حين رأيت الإصفرار في وجهها وانتفاضة جسدها.. الخيوط تكشف عن أفعى.. تلدغ.. وتسعد.. ودلفت داخلا.. أمي وأخواتي منتصبون بشموخ المآذن العثمانية.. وبهرجة الحلي البدوية.. وابتدرت أمي..

ــ ما القصة؟
ــ مبروك.. إنها ليلة زفافك.. لقد عقد لك أبوك قبل أسبوع.. وفور علمنا بوصولك أقمنا مراسم الزواج.. مبروك يا بني
ــ ولكن كيف.. بدون علمي وموافقتي.. آه.. لا تقولي
التوكيل.. نعم.. الخيوط تتشكل بسرعة.. ترسم ليلة هانئة فارسية.. نظرت إلى زوجتي.. بدت مثل حبة عرق وسط هذا الجبين الهائل من الإحتفال والفرح.. وحرت في أمري.. أأمسح العرق.. أم أخسر الجبين.. هو المثنى.. لطالما أرق لياليَّ بهجة واشتعالا.. وأرق ليالي زوجتي دمعا واحمرارا..
قادتني أمي إلى غرفة الضيوف.. ورأيت المثنى مخبوئاً تحت امتار الحرير وقيود الذهب..وراق لي مارأيت من امتار وقيود.. وداخلني شعور غريب بالألفة.. وهرعت إلى أبي..
ــ فعلتها اذاً.. ولكن من يقيني سطوة التعويذات؟
ــ لا تقلق يابني.. هو الأسبوع الأول فقط وتعتاد الأمر.. عموماً دعها تقضي الإجازة عند أهلها فتتهيأ نفسياً.. وأنت استمتع بفراشك الجديد..
ــ ومن هي يا أبي.. من مخبوءة المثنى؟
ــ الم ترها.. ابنة عمك تماضر.. أتتذاكى ياولد
ماذا؟.. والتقى حاجباي.. وسابقت اعتراضي إلى أمي
ــ ما الذي فعلتموه بي يا أمي.. إن كانت مزحة فهي ثقيلة كالطور.. لقد رفضتها كزوجة أولى.. فكيف أرضى بها في المثنى؟..
وانهالت دموع أمي.. وانكمشت الخيوط كعناكب لامستها قطرات مياه.. وخلت أن الإصفرار انتقل من زوجتي إلى أمي..
ــ لن أقبل بها زوجة أبدا.. هذا ليس عدلا.. ولا مثنى .. والله لايعادل التضحية ولا دموع زوجتي وحماتي.. ولا غضب طفلاي.. لن أقبل
ــ فات الأوان يابني.. إنها زوجتك.. إنما نتمم شكلاً اجتماعياً كما ترى

وعادت الخيوط تتشكل.. حين رفضتها أول مرة غضب عمي وابنة عمي.. وانقطعت الصلة.. ولم تعد إلا بجهد وحيلة.. عسرة كمياه الخليج.. وعاد السؤال.. كيف أخسر الجبين دون أن أفسده؟
ــ لا يا بني.. لاتقل ذلك أبدا.. ظننت أني أصيد العصافير كلها بمأذون واحد.. الكرامة تعود إلى عمك.. والمثنى يضيء حياتك.. والأحفاد يملؤن بيتنا..
ــ الخلع يا أبي.. أنت من زوجني وأنت من سيطلقني.. ومتنازل أنا عن كافة الحقوق
وبحثت عن زوجتي وطفلاي بين أشلاء الخيوط.. ودموع العصافير
ــ غادروا منذ برهة مغضبون.. لاعليك
ــ احتاج لوقت كي أهدأ.. أراكم بعد أسبوع

وبعد أسبوع.. تراءت لي الغجرية.. بلا وشم.. كئيبة.. مغضنة
ــ السلام عليكم.. كيف حالكم.. أين طفلاي وزوجتي.. أليسوا بانتظاري؟
ــ لا أعرف ما أقول يا بني
ومن خلال الدموع.. والقروح.. روت لي أمي كيف أن لبساً حصل في المحكمة.. أدى إلى تطليق زوجتي الأولى بدلا من الثانية
 


في27,شباط,2008  -  03:30 مساءً, tarektouzi كتبها ...

تناقلتني الصفحات إلى هنا فعبقت بهذا الفيض الساخر، توتر قصصي تلمس دعابة الذكورية في وسط عشائري تتحايل لتركّب نهجها الأصيل، كأنما هي إنقلابة تصحيحية لما ينبغي أن يكون، جعلنا القصّ نشهد إرتباكا في انتظام توزع العادة لأشياء الذكورة، هي لمحة فاضحة و مستكنهة لإختلالات الذات...
قصة متمكنة، تبحر في تفاصيل السخرية بإقتدار سردي مميز....
مع التقدير...
طارق الطوزي

في01,آذار,2008  -  06:25 مساءً, د. عبدالله الطيب كتبها ...

السيد القدير طارق الطوزي

هذه ريح طيبة التي أتت بك إلى مدونتي المتواضعة.
كلماتك المشجعة هذه أضاءت النص ، وتحفزني للمزيد

سعدت بمرورك الكريم وكلماتك المشرقة
تحياتي ومودتي