رجل الخامسة والنصف

أكتوبر 25th, 2007 كتبها د. عبدالله الطيب نشر في , قصص قصيرة

 رجل الخامسة والنصف

انهزمت حقيبتي.. تبعثرت.. قطع الملابس ألقت بنفسها على أرض الحجرة.. التصقت بالسجاد كجزء منه.. حتى أدوات الحلاقة توَّجت انهزامها بدمائي تسيل على الحوض.. لماذا أغادر؟.. عمري في دنياها يومان.. لماذا أغادر.. كأني أختصر العالم بسؤالي.. ورأسي أفرغ من صحراء..

 ــ هيا.. خابر زوجتك قبل أن ترحل.. غير معقول أن تتركها دون كلام أو سلام ..

  ــ لماذا لاتعطونها رقمي ؟

ــ يا أخي .. النساء أشد خجلا .. أو يفترض!.. لقد تزوجتها بالأمس وتريد أن ترحل دون أن تخابرها.. تريد أن تصبح أمثولة!

ــ يا جماعة.. أنا لست من هذا النوع .. ربما أبوها يمانع .. ثم إن موعد الزفاف  قريب .. شهر على الأكثر وتكون معي ..

ــ أنت عنيد ومزعج.. والله إن لم تخابرها الآن .. لن نعطيك رقمها وإن أريتنا دموعك!

ماذا أقول لها .. لا نملك مقومات اللغة الحوارية فنفترشها .. غريبان وإن كنا زوجين .. كحجري رحى يفصلهما القمح.. ومن يذيبه؟.. أأبدأها بالسلام.. أم أهنئها على اقترانها بي.. موقف مثير.. ومحرج.. كطبق شهي من الكيك تريده وتريد أن تأكله في نفس الوقت ؟!

أفضل الهرب.. وحقيبتي اللعينة تنهزم .. حتى موعد الرحلة يريدني أن أخابرها .. الجميع من حولي .. أقرأ في عيونهم توسلات أمي ..

ــ حسنا.. أكلم أمها..

ــ وتطلب زوجتك..

ــ كلا..

ــ لافائدة منك

ــ حسنا.. سأفعل

سأقول لأمها.. كيف حالك.. كيف الصحة.. ثم أقذف بالسماعة إلى أختي .. ولكني وعدت .. سأكلمها وأطلب منها هيفاء.. ممكن أكلم هيفاء .. وماذا بعد .. أقول لها أني مغادر بعد نصف ساعة وألقي بنفسي في التاكسي قبل أن يلقي بي خجلي من النافذة ..

لم أحس بمثل هذا الشعور من قبل .. أنا متزوج .. ولا أشعر بذلك .. كمتسابق يسمع إسماً قريباً من إسمه يفوز بالجائزة فينتفض فرحا ثم يعود إلى ترقبه من جديد ..

حملت ست سنين من التعب شهادة جامعية لأبي .. وطلبت أن أتزوج .. بعد يومين قالوا نذهب لرؤية العروس..

رائحة العُودة تزكم أنفي .. حفرت وجهي في المرآة .. وتركت أصابعي بصماتها على العقال .. أخرجت الجورب الأبيض الجديد وغرست قدمي في الحذاء الأسود الضيق .. بللت منديلي بلساني وتأكدت من لمعانه .. أشعر بملايين العدسات تراقبني وأنا أصعد الدرج .. حفظت عدد الدرج .. ولونه .. ودرست طريقة صنعه إلى أن دلفت إلى الحجرة .. استقامت رؤيتي وارتخى عنقي حين رفعت رأسي ..

أخفيت ركبتاي بطرف كمي كيما تفضحا انفعالي .. ألف

المزيد


المثنى.. ومأذون العصافير

أغسطس 18th, 2007 كتبها د. عبدالله الطيب نشر في , قصص قصيرة

 

 المثنى.. ومأذون العصافير

بدأ الأمر كمزحة..
ــ آه يا أبي .. إن الزواج شئ عظيم.. ليته يتكرر كل يوم.. كم هوسمح ديننا.. رباع يا أبي.. رباع.. ثلاث ورباع..
ــ كأنك ترغب في المثنى!
ــ حلم صعب المنال.. دونه سطوة أم العيال وتعويذاتها الفرعونية..
ــ لا عليك.. اكتب لي توكيلاً وسترى..
وكتبت.. وتوكلت.. وتداعت الأوقات من حولي ونسيت..
 
ــ الو..
ــ أنا أحمد.. غداً مساءاً نكون عندكم.. قا دمون على طائرة السابعة..
ــ بانتظارك.. يا عريس.. أقصد يا أخي..
عريس!.. طفلان وزوجة سمينة حبلى وتقول عريس.. يبدو أنها تمزح.. وابتسم شاربي للفكرة !
حملتنا الطائرة بمتاعنا وهمومنا .. صندوق عجيب.. الرحلة فيه كفاصل من الإعلانات التجارية أناسه وسيمو الشكل صادقو المظهر.. أحيانا وبسذاجة أتمنى أن يتقلص العالم والدنيا والحياة ليكونوا كرحلة قصيرة بالطائرة.. لا هموم ولا ضغائن..
 
الله.. ما أروع هذا الإستقبال.. عقود الأنوار تتدلى متلألئة.. كأنها الوشم على صدر غجرية.. وبيتنا استحال أكثر من غجرية.. وأخذت أقلب الأوراق في عقلي.. ما المناسبة.. عيد ميلاد.. نجاح.. ما القضية.. ورأيت صفين متجاورين من الكراسي عند المدخل.. وأبي يتصدر أحدها مع وجهاء العائلة.. وتساقطت بقعة في جوفي.. وتهدل كتفاي تحت ثقل الشنطة والفكرة.. واختنقت عيناي بطوفان التساؤلات.. هل مات أحد.. ونظرت إلى زوجتي وطفلاي.. غير أني ما لبثت أن التفت إلى أبي فوجدته باسما.. وشعرت بالطمأنينة تملأ أوردتي ولساني بالشكر والأدعية..
 
ــ أهلا بالعريس!
قالها أبي.. وبدأت الخيوط تتشكل.. هيكل غامض من الفرح.. والرفض. مددت يدي إلى زوجتي أساندها.. وانكمش جسدي حين رأيت الإصفرار في وجهها وانتفاضة جسدها.. الخيوط تكشف عن أفعى.. تلدغ.. وتسعد.. ودلفت داخلا.. أمي وأخواتي منتصبون بشموخ المآذن العثمانية.. وبهرجة الحلي البدوية.. وابتدرت أمي..
ــ ما القصة؟
ــ مبروك.. إنها ليلة زفافك.. لقد عقد لك أبوك قبل أسبوع.. وفور علمنا بوصولك أقمنا م

المزيد


خفافيش

مايو 25th, 2007 كتبها د. عبدالله الطيب نشر في , قصص قصيرة

خفافيـــــــش

 

نتسلق الخوف .. ونبلغ القمة .. ومع ذلك نعيش برفاهية !!

………………………………………………….

مجدةٌ هي الشمس .. لا تزال تكافح بقوة واهنة وهي تمد خيوطهـا العنكبوتيـة لتعلن انتصـارها المتكرر..  والخفافيش لم تزل تلعن الشمس.. إنها الطاغوت الأكبر.. فهي تسلبهم حقهم في الحياة كل يوم دون ملل.. تضئ أنفسهم لأنفسهم فقط ليزدادوا إظلاما..

كنا أربعة من هؤلاء الخفافيش.. يقتلنا خوفنا كل صباح ونجرعه بفرح عند المساء.. تفر منا طمأنينة الفجر الرمادية لنـأسرها قرب منتصف الليل.. أكان ذلك جميلا ؟ ..كنت أعتقد ذلك.. أنا (دريد).. وهم (عمرو) و(وابل) و(قيس)..

هم أعز اصدقائي.. وأنا لهم أكثر من مسلي !!

 

كانت ليلة مشحونة بالظلام والعرق.. جمعنا بيت غير سيئ السمعة.. تنازعنا فيه أوراق اللعب وقتلنا عروقنا بالماء المصبوغ.. أنجزتْ ساعات الليل عملها بأسطورية.. وألفينا أنفسنا على أبواب الفجر.. تلكَّأ "وابل" قليلا  ثم تفصد مكراً..

ــ املأ رئتيك جيداً قبل الأذان.. فهذه فرصتك!!

نظرت إليه فوجدت عيناه احمرتا بالإمتلاء من النفس.. ضحكت من ملاحظته الذكية وامتلأتُ هواء..

تسلق الأذان أسماعنا.. فحرقت جوفي بالأستمتاع حتى انتهى ممتنعاً عن حتى مجرد التفكير في ذلك.. نهضنا ومارسنا حياة سعيدة.. ثم تجولنا بعربتي الفاخرة القذرة.

 

ويشيخ حجم التصحر في داخلي ويهرم.. ولا يموت.. في ذلك اليوم أحسست ببلوغه عامه المائه بعد الألف.. فأينع حصاده على مساحات وجهي ضحكاً وانتشاءاً..

تململت الشمس.. كأني فرحت لذلك.. وكم أحسست بغربتها عن الكائنات أمثالي.. تقافزتْ من فمي نكتة سخيفه.. وكان صداها ضحكات واختناقات إضطرتني إلى الضحك.. أحسست بسماكة الصمت وكم هو صعب قطعه.. ولكن كنت أعي جو الإنتشاء السائد فوق الصمت.. فزدت الصمت صمتا..

 

"عمرو".. عبقري الدراسة فينا.. يستحي لماماً وأحبه كثيرا.. أول صديق يهدي إلي حنجرته عبر أسلاك هاتفي المفعمة بالثلج.. ألا يكفي ذلك؟.. تنشقت أسعد ماعرفت من ثوان معه.. أترك أمي تبتلع حزنها ورغبتها الثائرة في الخروج معي لأسمع نكاته الباردة علي.. أقبع توسلات الدموع في عين أختي الوحيدة في البقاء معها ولو يوماً واحداً بعيداً عن رقابة أبي ليحمر وجهي خجلاً وحقداً على ابتكارات  الإستهزاء المسترسلة من فمه.. ولم لا أحبه؟ تكويني يملي علي حب أي شخص يبتدرني ولو بلمسة حنان واحدة.. أكثر ما شدني فيه دفاعه الحار حين أتعرض لأي نوع من الإستهزاء من قبل الآخرين.. ولكنه لا يتورع عن صفعي بها حين يحلو له..  ربما هونوع من النرجسية النادرة!!

 

"وابل".. مشاكس عنيد.. ولد قائداً للرجال.. وليتني أعرف أين هم عدانا وبرضانا تجنبا للمش

المزيد


شــــقــــوق

مايو 25th, 2007 كتبها د. عبدالله الطيب نشر في , قصص قصيرة

شقــــــوق 
في تلك الليلة.. الثالثة صباحاً.. مع ترنُّحات المتخمين.. ضحكات المدخنين.. زغاريد المهنئين وتهدهد المحرومين..
كانت تمشي بهدوء وسكينة.. ولامبالاة بالصخبِ والسطوع.. كيس بلاستيك كبير بيد.. ورجاءٌ باليد الأخرى.. جوع القطط والسنين البائدة يرتسم بالعينينِ المحدقتينِ بشرِّ العالم.. وسخريته..
تلتمع الشقوق في القدمين.. وهما تجلدان الأسفلت المشبع بالرطوبة.. ومصائر الناس .. كهوف وشقوق تضيئها مصابيح الفندق.. أقرأ فيها لغة غريبة وبدائية.. أرى فيها النسيان.. و الكبرياء.. والفقر..
كنت أراقب المشهد المثير خارج الفندق.. حيث تلفني سحائب الدخان المنبثق من سيجارتي.. تعبت من زيف الكلام.. واتساع الشفاه.. والإنتشاء بغير مافعل.. تركت ذلك.. وخرجت بحثاً عن الهدوء.. واللقطات الغافلة.. رأيت جزءاً من تفكيري وخيالاتي وعشقي فيها.. غريب.. كيف يعشق الإنسان الهزيمة والإنكسار بكبرياء!
أيهذا الليل.. المختلط بالمعجزات.. والموبقات.. أين السعادة.. ورفيق السعادة.. وأين الدروب العابثة بالإنتظار.. وأين الرياح التي تفلح الأرض.. عشقا وصبراً.. لصوت الأمطار..
تبعتها.. عيناي مقفلتان على الكيس الكبير.. يداي مطويتان.. تركت مسافة.. كي لا أفسد براءة المشهد.. وطهر الشفافية.. العباءة القصيرة الخضراء.. والأقدام الحافية ذات الشقوق الملتمعة.. والمنديل البنِّي الكبير المكوم فوق الرأس بلا عناية.. البشرة السمراء العتيقة.. من مكاني رأيت خيالها.. وقفَت بجوار البرميل بدون تردد.. كمن يعرف بغيته.. فتَحت الكيس.. وبدَأت الاختيار.. بعناية!.. اقتربْت قليلاً.. فقد اشتقت لماء عيني.. و غرائزي المنسية.. وأحاسيسي المندثرة.. أو المتدثرة..
أيهذا الليل.. ماالذي يختبئ في جوفك.. هل أخفت المعجزات بجوفك حقاً لكل البشر.. دعني فألتحم بك.. أودع فيك تقرحاتي.. وألتقي بنفسي وغيري.. لعلي أفيق.. سرقتني الأضواء والثياب الجديدة.. أدمت أنفي العطو

المزيد