رجل الخامسة والنصف
انهزمت حقيبتي.. تبعثرت.. قطع الملابس ألقت بنفسها على أرض الحجرة.. التصقت بالسجاد كجزء منه.. حتى أدوات الحلاقة توَّجت انهزامها بدمائي تسيل على الحوض.. لماذا أغادر؟.. عمري في دنياها يومان.. لماذا أغادر.. كأني أختصر العالم بسؤالي.. ورأسي أفرغ من صحراء..
ــ هيا.. خابر زوجتك قبل أن ترحل.. غير معقول أن تتركها دون كلام أو سلام ..
ــ لماذا لاتعطونها رقمي ؟
ــ يا أخي .. النساء أشد خجلا .. أو يفترض!.. لقد تزوجتها بالأمس وتريد أن ترحل دون أن تخابرها.. تريد أن تصبح أمثولة!
ــ يا جماعة.. أنا لست من هذا النوع .. ربما أبوها يمانع .. ثم إن موعد الزفاف قريب .. شهر على الأكثر وتكون معي ..
ــ أنت عنيد ومزعج.. والله إن لم تخابرها الآن .. لن نعطيك رقمها وإن أريتنا دموعك!
ماذا أقول لها .. لا نملك مقومات اللغة الحوارية فنفترشها .. غريبان وإن كنا زوجين .. كحجري رحى يفصلهما القمح.. ومن يذيبه؟.. أأبدأها بالسلام.. أم أهنئها على اقترانها بي.. موقف مثير.. ومحرج.. كطبق شهي من الكيك تريده وتريد أن تأكله في نفس الوقت ؟!
أفضل الهرب.. وحقيبتي اللعينة تنهزم .. حتى موعد الرحلة يريدني أن أخابرها .. الجميع من حولي .. أقرأ في عيونهم توسلات أمي ..
ــ حسنا.. أكلم أمها..
ــ وتطلب زوجتك..
ــ كلا..
ــ لافائدة منك
ــ حسنا.. سأفعل
سأقول لأمها.. كيف حالك.. كيف الصحة.. ثم أقذف بالسماعة إلى أختي .. ولكني وعدت .. سأكلمها وأطلب منها هيفاء.. ممكن أكلم هيفاء .. وماذا بعد .. أقول لها أني مغادر بعد نصف ساعة وألقي بنفسي في التاكسي قبل أن يلقي بي خجلي من النافذة ..
لم أحس بمثل هذا الشعور من قبل .. أنا متزوج .. ولا أشعر بذلك .. كمتسابق يسمع إسماً قريباً من إسمه يفوز بالجائزة فينتفض فرحا ثم يعود إلى ترقبه من جديد ..
حملت ست سنين من التعب شهادة جامعية لأبي .. وطلبت أن أتزوج .. بعد يومين قالوا نذهب لرؤية العروس..
رائحة العُودة تزكم أنفي .. حفرت وجهي في المرآة .. وتركت أصابعي بصماتها على العقال .. أخرجت الجورب الأبيض الجديد وغرست قدمي في الحذاء الأسود الضيق .. بللت منديلي بلساني وتأكدت من لمعانه .. أشعر بملايين العدسات تراقبني وأنا أصعد الدرج .. حفظت عدد الدرج .. ولونه .. ودرست طريقة صنعه إلى أن دلفت إلى الحجرة .. استقامت رؤيتي وارتخى عنقي حين رفعت رأسي ..
أخفيت ركبتاي بطرف كمي كيما تفضحا انفعالي .. ألف













